عبد الكريم الخطيب

228

التفسير القرآنى للقرآن

مرّوا كراما ، ثم هو من جهة أخرى أقام على منطق المسلم حارسا لا يدع لكلمة السوء منطلقا تنطلق منه ، بل وأكثر من هذا ، فإنه نبّه إلى وساوس السوء التي تتحرك في صدر الإنسان ليميتها قبل أن تتخلّق منها المشاعر والكلمات ، فقال تعالى : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ » ( 16 - 18 ق ) . وفي قوله تعالى : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ » فضح للكلمة المنافقة تنطلق من فم المنافق ، منمقة ، مزوقة ، مموهة ببريق لامع يضلل ويخدع . فهناك طوائف من الناس تتخذ من الكلمة الخادعة المنافقة طريقا لترويج الباطل ، فيضعون على ألسنتهم كلمات معسولة ، تفيض رقة وتتناغم حنانا ومودة ، ولو ذهبت تفتش في ثناياها ، وتنظر في أطوائها لوجدتها تنغر قيحا وصديدا ، وتفور زفيرا وفحيحا ، بما تحمل في كيانها من حسد وبغضاء . هكذا كان موقف المنافقين من رسول اللّه ، إذا لقوا الرسول هشّوا له وتخاضعوا بين يديه ، وألانوا القول وزينوه ، وأشهدوا اللّه أن علانيتهم مثل سرهم ، وأن ما يجرى على ألسنتهم منطلق من صميم قلوبهم . . فالمنافق يستر نفاقه بهذا الدهان ، ويغطى كذبه بالحلف باللّه وبكل ما يحلف به ، وفي هذا يقول اللّه تعالى لنبيه الكريم : « فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ » ( 8 - 10 : ن ) وقوله تعالى : « وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ » بيان للوجه الآخر من وجهي المنافق ،